أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

147

التوحيد

يعلم به التغيير والتبديل فتبقى شريعته إلى فناء العالم ، وباللّه التوفيق . قال أبو الحسين الراوندي : طعن الورّاق أخبار براهين الرسل من حيث وردت من طريق أو طريقين . وهذا بهت شديد ، بل أجمعت عليها أمتنا ، ثم أمر نبي اللّه مما توارث به الملحدون لتكلف الطعن ، والموحدون لرعاية الحق ، مع تطابق الكفرة على أن يجدوا في خلقه ضعفا أو في شجاعته ، أو له في شيء من المطامع رغبة ، أو إلى شيء من فنون منافع الدنيا ميلا ، فما وجدوا ذلك . فهذا لو كان شرط صحة الأخبار كثرة العدد ، فكيف وشرطه الاستيلاء على القلوب وسكونها إليه وطمأنينة النفس بالمخرج والفحوى ورفع ما يعترض من الظنون . وهكذا الأمر عند أخبار المحقين وإن قل عددهم . وطعن الورّاق « 1 » في قوله : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [ النحل : 43 ، الأنبياء : 7 ] أن كيف أمر بذلك مع الشهادة عليهم بكتمان الحق ؟ فأجيب بما إذ أيّد اللّه نبوة محمد بالحجج القاهرة مالوا إلى الكتاب ، فقيل لهم ذلك على أن اللّه يسخّرهم في ذلك ويضطرهم إلى الموافقة ، فيكون ذلك من جليل آياته ، إذ جمع عليه الأعداء والأولياء وهو قوله : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 197 ] . وأيضا إن ذا على ما يعرف من لجاج الرجل بعد إقامة البرهان عليه ، أن يقال : فاسأل ذلك فلانا ممن يطمع سكون قلبه إليه فيترك اللجاج . والثالث أن يكون المراد يرجع إلى من أسلم منهم ، وباللّه التوفيق . وجائز أن يكون المراد بأهل الذكر هم أهل الشرف الذين يمنعهم شرفهم عند التحكيم إليهم عن الكذب ، واللّه أعلم . وطعن الورّاق إخبار رسول اللّه بحضور الملائكة يوم بدر ، قال : أين كانوا يوم أحد ؟ جواب الأول ظهور رؤوس ببدر بلا قاتل رأوه ، وبيان المذكور من الأعداد أنهم رأوا صورا لم يعرفوهم . وجواب الثاني أن ذلك أول حرب ، فأراد اللّه تعالى أن ينصرهم ليظهر الحق ويبطل الباطل . قال ابن الراوندي : العجب من الورّاق حيث جحد أخبار الرسل مع البراهين ودعاء إلى قبول قول المنانية ، وألزم القوم حماقاتهم من بسط السماوات من جلود الشياطين ، واضطراب الأرض باضطراب الحيّات والعقارب فيها ، وقبول أخبارهم بعمل النور والظلمة ، ودفع ما هو في عقولهم حسنة ، وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) سبقت الإشارة إليه .